|
هبتُ إليه لأطفىء شوق ستة أشهر لم نلتقِ خلالها.. لم أخطط
للزيارة بل دفعني الشوق وحركني الحنين.
دخلت عليه، وجدته منطفئاً .. حزيناً.. عيناهُ صامتتان، لم
تقولا لي شيئاً.. لم تقولا لي أنهما إشتاقتانى .. لم تداعبانى ..
لم تحتضنانى كعادتهما .. نما شعر رأسه وأطلق للحيتهُ العنان ..
لم يكن أنيقاً كعهدى به .. هالنى ما رأيت وأفزعنى، داهمته
بالسؤال
- ما بكَ ..؟
- لا شيء .. لا تقلقي .
- وكيف لي أن لا أفعل ..؟
- ..................
- أتعرف كيف تبدو لي الآن ..؟
- كيف أبدو ؟
- كأنك عائدٌ للتو من قبرك ..؟
ابتسم وصمت .. هرب منى بإبعاد عينيه وحوّل اهتمامه لمن كان
معه..
داعبنى الفضول وفتك بى القلق، ما به ؟ ما باله الفتى ؟ ماذا
أصابه ؟ أهو مريض ؟ أضايقته رؤيتى ؟ أهو غاضبٌ أو عاتبُ علىّ ؟
لم أهتدِ إلى إجابة ولم أركن إلى ترجيح إحتمال دون سواه . تمنيتُ
اللحظة التى يخرجُ فيها زائره وبدأت حركاتى تتسم بالعصبية.. بدأت
أُكثر من الحركة والقيام وعند جلوسى لا تهدأ قدمى من النقر على
الأرضِ بمقدمة الحذاء ..
تَنقلتْ عيناى في زوايا المكتب الواسع، أربع أجهزة كمبيوتر
وملحقاتهم موضوعة بنظام على مناضد بيضاء.. ستائر زرقاء منسدلة
على الحوائط، لوحة قرآنية جميلة هي آية الكرسي مخطوطة بالذهبي
على أرضية سوداء في مواجهة الباب، مشمع أرضى مرسومٌ عليه دوائر
متداخلة من الأزرق الداكن والرمادي، ساعة حائطية أنيقة، لقد أصبح
المكتب أجمل بكثير منذُ أن رأيته آخر مرة قبل اكتمال تأسيسه..
التفت إليه ومازال يتحدث إلى زائره، لقد كان مميزاً علمياً
طوال سنوات دراستنا واسمه يترأس لوائح النتائج في كل الفصول
الدراسية.. تنبأ له الكل بالنجاح عملياً وتمنوا له التوفيق.
أتذكر حماسه وهو يحكى لي عن خططه للمكتب وكيف سيجعله أكبر
مكتب برمجة وتصميم في المدينة وأنه سيستقدمني معه عندما يزدحم
المكتب بالعمل والعملاء..
- أنا متأكد أن الشركات ستتزاحم هنا لعمل برامج لها، حينها
ستتركين كل عمل لديك وتأتين هنا، ولن أقبل أي عذر؛ بل لن أمكنك
من الاعتذار، سأحضرك بالقوة .
ضحكت حينها وشاركته الحلم بل ذهبنا معه بعيداً ورأينا الدنيا
أكثر جمالاً .
لم يكن المكتب ملكاً له إنما افتتحه ويديره وانتظر أن يفتح له
آفاقاً أكثر اتساعا وأكثر اخضرارا..
يشركنى في كل ما يخصه وأدق دقائقه.. لسنا بالأحبة ولسنا
أصدقاء فقط؛ كان ما بيننا أعمق ورابطنا أكبر وأقوى.. قد تمرُ
شهوراً دون أن نلتقي، خلالها يحملُ كل منا الآخر ويصطحبه معه في
كل خطوة يخطوها وكل لحظة يعيشها وعندما نلتقي نُفرغ شوق الأيام
كلها ونمتلىء من بعضنا حد الشبع..
أتعبني بروده هذا التفت إليه وقلتُ غير عابئة بزائره المودِّع
- هييييي أنت؛ ألم تشتاق إلىّ ..؟
- يكاد أن يقتلني.
قلت بغيظ :
- واضح؛ وواضح أيضاً أنك لم تشعر بمؤامرته هذه إلا بعد خروج
ضيفك .
- أعذريني فأنا لست أنا اليوم ..
- لقد شعرت بهذا وسألتك ولم تجبني... قل لي ما بك ...؟
- ..........
أخفض رأسه ولم يجبني...
- لم أعتاد صمتك هذا... ألا ترغب في إخبارى ؟
- أحتاجُ إليكِ... لقد اتصلت بكِ هذا الصباح ولكن هاتفك كان
معطلاً... بصدق أحتاجك وأحتاج الحديث معك .
صمت برهة وواصل
- لقد تعبتُ .. تعبت من كل شيء من حظي العاثر.. من بلدي .. من عملى .. من بيتى.. من حياتى .. من نفسى . تعبت وأريد أن أهرب ..
أهربُ بعيداً ولا أجد السبيل .. أنا سجين .. مقيد، أريد الإنفلات
.. التحرر .. الإنطلاق ، لم أطرق باباً وفُتح لي على الإطلاق، كل
الأبواب موصدة وكل الطرق مقفلة وكل الممرات واضعة على مداخلها
إشارة حمراء خُط فيها : ممنوع العبور ، وهناك من يعبرون تصورى
..؟ هناك من يعبرون ودون عناء فالعبور لم يُمنع إلا عنى وعن أمثالى .. حتى هنا؛ في هذا المكان الأنيق لم أستطع تحقيق حلمى ..
لم تتزاحم الشركات كما حلمت ولم يمتلىء المكتب بالعملاء لتساعدينى كما حلمنا معاً .. أحسُ أحيانا أننى أريد تحطيم أي شىء
وأحياناً بالظلم وأحياناً بالفشل .
- لا .. أنت لستُ فاشلاً . لقد أنفقت جهداً هنا لا يستطيعه
غيرك .. أنت تفعل ما هو متاحُ لك أن تفعله ..
علا صوته وإحتد
- وما هو المتاح .. ليس هناك ما هو متاحٌ على الإطلاق ..
العمل في مؤسسة لها قدرها دون شهادات خبرة؛ غير متاح .. السفر
خارج البلاد لي؛ غير متاح .. العمل في القطاع الخاص كما أفعل
الآن هو كما ترى شحيح بل يكاد يكون غير متاحاً .. مواصلة دراساتى
العليا؛ لا أملك نفقتها .. نفق العمر ولم أنجز شيئاً .. أمى
واخوتى لا أستطيع تحقيق أمانيهم ولا بد ان أملهم قد خاب فىّ ..
أنتِ .. أنا ماذا فعلت لكِ ولى .. حتى الموت لا أستطيع أن أموت
.. ليتنى مُت .. ليتنى..
أكمل جملته الأخيرة وبكى .. بكل الألم بكى ، كانت المرة
الأولى التى أرى فيها .. رجلاً يبكى .. يبكى دموعاً لاهبة ..
يبكى دماً .. يبكى قهراً .. يبكى عمراً نفق ..
آمنتُ طوال حياتى أن دموع الرجل عزيزة عليه، ضنينٌ بها ، لا
يهدرها إلا عندما لا يملك سواها .. لقد تجذّر ألمه ونما حتى خرج
تعبيراً صادقاً مالحاً .. نظرت إليه طويلاً لم أدرِ لحظتها ما
علىّ فعله .. سالت نفسى : ماذا تفعل الأنثى عندما يبكى الرجل ..؟
لم أتوقع يوماً أن أرى دموعه .. لم أتوقع أن ألمس ضعفه هكذا،
كثيرة هي أوقات حزنه وكثيراً ما يقاسمنى وجعه ولكنها المرة
الأولى التى يمزقنى فيها ضعفه .. شعرت بدفق من الحنان .. شعرت
بالأُمومة تجاهه، لم أطلب منه أن يكف عن البكاء .. لم اقل له يجب
أن تتماسك وأنك أكبر من هذا .. لم أنصحه بأى نصيحة .. لم أستطع
أن أقول له أية كلمة من هذه الكلمات التى نقولها ظانين أننا
نواسى بها الغير ونمسح بها أحزانهم .. لم أستطع قول كلمة واحدة
أمام دموعه .. عجزت و لم يساعدنى لسانى على إخراج أية كلمة .. لم
أستطع وأنا أرى دموعه وأتذوق ملوحتها سوى ان أضمه إلى صدرى وأبكى
معه في صمت ودون كلمات ..!
|